الذهبي

124

سير أعلام النبلاء

كان - أشد إليه انقطاعا منه إلينا . فإن كان كذابا فطالما قربه على كذبه . وإن كان غير ذلك ، فهو أعلم به ، وما عندي خلاف ما أقمت في جواره ، ولو كان ، لخرجت إلى من يدعوني ، ولكن ها هنا لأخيك قرن - وكلاهما يقاتلان على الدنيا - عبد الملك ، فلكأنك بجيوشه قد أحاطت برقبة أخيك ، وإني لأحسب [ أن ] جواره خير من جواركم ، ولقد كتب إلي يعرض علي ما قبله ويدعوني إليه . قال عروة : فما يمنعك ؟ قال : أستخير الله ، وذلك أحب إلي من صاحبك . فقال بعض أصحاب ابن الحنفية : والله لو أطعتنا ، لضربنا عنقه ، فقال : وعلى ماذا ؟ رجل جاء برسالة من أخيه ، وأنتم تعلمون أن رأيي لو اجتمع الناس علي سوى إنسان لما قاتلته ، فانصرف عروة ، وأخبر أخاه ، وقال : ما أرى لك أن تعرض له ، دعه ، فليخرج عنك ، فعبد الملك أمامه لا يتركه يحل بالشام حتى يبايعه ، وهو فلا يبايعه أبدا حتى يجمع عليه الناس ( 1 ) . أبو عوانة : عن أبي جمرة ، قال : سرنا مع ابن الحنفية من الطائف إلى أيلة ( 2 ) بعد موت ابن عباس ، وكان عبد الملك قد كتب له على أن يدخل في أرضه هو وأصحابه حتى يتفق الناس على رجل واحد ، فإذا اصطلحوا على رجل بعهد الله وميثاقه - في كلام طويل - فلما قدم محمد الشام ، كتب إليه عبد الملك : إما أن تبايعني ، وإما أن تخرج من أرضي - ونحن يومئذ سبعة آلاف - فبعث إليه : على أن تؤمن أصحابي ، ففعل ، فقام ، فحمد الله ، وأثنى عليه ، ثم قال : الله ولي الأمور كلها وحاكمها ، ما شاء الله كان ، وما لم يشأ لم يكن ، والذي نفس محمد بيده ليعودن فيهم الامر كما بدأ ، الحمد لله الذي حقن دماءكم ، وأحرز دينكم ، من أحب منكم أن يأتي مأمنه إلى بلده

--> ( 1 ) ابن سعد 5 / 106 وما بين الحاصرتين منه ، وابن عساكر 15 / 372 ب . ( 2 ) أيلة : مدينة على ساحل البحر الأحمر مما يلي الشام ، وتسمى اليوم العقبة